استيعاب الزوج 4

عالم الأسرة » هي وهو
07 - محرم - 1433 هـ| 03 - ديسمبر - 2011


1

بعض الزوجات والأزواج يعلقون أسباب عدم استمرار المحبة والهناء في بيوتهم إلى أنّ كليهما لا يفهم الآخر، وغير قادر على استيعابه.

وهذا الكلام على الرغم من صحته في جانب كبير منه، إلا أنه يشكل عقبة وهمية أمام الطرفين، تمنعهما من الاستمتاع بحياتهما، واستيعاب كليهما للآخر، وعلى افتراض أنها عقبة حقيقية، فيسهل إذابتها وتفتيتها بقليل من الوعي والنضج، ودون كبير مجهود أو قلق أو ألم، ولا أبتعد كثيرًا إن قلت: إنه يمكن تحويل هذه العقبة إلى قاعدة جيدة للانطلاق إلى حياة أكثر تناغمًا وانسجامًا وتوادًا وتكاملاً. فكيف ذلك؟

قال تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى)سورة آل عمران: من الآية 36.

فما الذي تعنيه الآية؟ إنها تعني أن طبائع الرجال مختلفة عن طبائع النساء، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد، ولكن البعض رغم يقينه بها يتجاهلونها أو يتغافلون عنها في علاقاتهم بزوجاتهم، فيتعاملون مع زوجاتهم دون مراعاة لهذه الحقيقة (التي لو روعيت لنَعِم كلٌّ منهما بتمايزه الفطري عن الآخر)، أعني لا يراعون مظاهر أو نواتج أو تطبيقات هذه الحقيقة، والتي تتضح في أمور، منها على سبيل المثال:

1-      المرأة تحب من زوجها أن يُدلّلها ويلاطفها ويغازلها: ولهذا نجد أن النبي r كان يفهم هذه الطبيعة، ويتفاعل معها، فينادي زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها بقوله: (يا عائش) ـ كما في الحديث المتفق على صحته ـ، وحينًا يناديها بـ: (يا حميراء) ـ كما في السلسة الصحيحة للألباني ـ والحميراء تصغير حمراء، والمعنى يا بيضاء البشرة.

2-      المرأة تقدّر الحبّ، وتستمتع بالتواصل والمؤانسة: ومن طريف ما جاء في السيرة النبوية حديثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ إِذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَطَارَتِ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، وَكَانَ النَبِيُّ r إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ رضي الله عنها: أَلاَ تَرْكَبِينَ اللَّيْلَةَ بَعِيرِي وَأَرْكَبُ بَعِيرَكَ تَنْظُرِينَ وَأَنْظُرُ، فَقُلْتُ: بَلَى، فَرَكِبَتْ، فَجَاءَ النَّبِيُّ r إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ، وَعَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلوا وَافْتَقَدَتْهُ عَائِشَةُ، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَتْ (أي عائشة) رِجْلَيْهَا بَيْنَ الإِذخِرِ (نبات تكثر فيه الهَوام) وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّطْ عَلَيَّ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً تَلْدَغُنِي، وَلاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ لَهُ شَيْئًا. متفق عليه.

تعبر عائشة رضي الله عنها بذلك عن شدة ما تجده من الغيرة والندم على تطوعها لحفصة بركوب جمَلِها، مما حرمها من قرب زوجها النبي r ومحادثته. 

وهذا يدل على ما تعانيه المرأة من شدة وتألم وضيق- لدرجة أن عائشة رضي الله عنها حين افتقدت ما تعودته من مؤانسة النبي r لها، وسيره إلى جوارها، عرَّضت نفسها للخطر ودَعَتْ على نفسها بشرٍّ- إذا لم يحدِّثها زوجُها، أو لم يُعرها اهتمامًا، ولو بغير قصد، فكيف لو شعرت أنه يتعمد ذلك، أو لا يأبه أو لا يبالي بها؟

3-      تحب أن تشعر أنها مرغوبة محبوبة دائمًا من زوجها، فلا تُهمل في أي ظرف: وقد علَّمنا النبي r كيف نُشعِر الزوجة بالحب في كل الأوقات، وبطرق مختلفة، ومن ذلك في السيرة حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، "أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ يَتَّكِئ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرأُ الْقُرْآنَ" متفق عليه.

وقولها: "كَانَ النَّبِيُّ r يُبَاشِرُنِي[1] وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ". متفق عليه.

وكذلك قولها رضي الله عنها: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ r فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ- أي آخذ اللحم عن العظم بأسناني- وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ r فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ".رواه مسلم.

والمتأمل لهذه الأحاديث يكتشف فيها فيضًا من الدلالات والإيحاءات الجميلة الرائعة، ولعل أبرزها أن النبي r لم يكن يترك فرصة للتعبير عن مشاعره وحبه واهتمامه بزوجاته إلا واستثمرها لمزيد من الألفة والترابط، ولمزيد من إسعادهن وسرورهن. 

4-     تحبّ أن تتحدث عن مشكلتها ليشاركها همّها، ويخفف عنها، ومن ذلك ما ورد في السيرة من أن صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها كانت مع رسول الله r، فأبطأتْ في المسير، فاستقبلها رسول الله وهي تبكي وتقول: حملتني على بعير بطيء، فجعل رسول الله يمسح بيديه عينيها ويسكتها. رواه النسائي في الكبرى، وضعفه الهيثمي في المجمع. 

وهذا الطبيعة في المرأة كثيرًا ما تسبب للرجل ضيقًا، أو حيرة ممزوجة بغضب؛ لأنه في بعض الأحيان يعتقد أنها بهذه الشكاوى تقصد أن تعاتبه أو تبين مدى تقصيره معها، في حين أنها تنشد منه المساندة المعنوية أو المشاركة النفسية تجاه ما يزعجها لا أكثر.

5-      تميل إلى التفاصيل، والتروي عند الشراء والتسوق، وتمقت العتاب: وهذا يحتاج من الرجل أن يعطيها الفرصة الكافية، أو يخصص لها وقتًا لتفيض فيما تحب وترغب، كما فعل النبي r- مع كثرة أعبائه ومسئولياته الجسام- مع عائشة حينما أعطى لها المجال لتروي له قصص إحدى عشرة امرأة تِباعًا يصفن أحوال أزواجهن معهن ـ كما في صحيح البخاري ـ، ولا يكتفي بسماع حديثها الطويل المشهور بحديث أم زرع، وإنما يُعقِّب عليه بما يدلّ على أنه أحسن الإنصات والفهم لكل كلمة قالتها، فتطيب نفسها وتقول: بل أنت خيرٌ إليَّ مِن أبي زرع.

وعلى الزوج أن يتجنب العتاب قدر استطاعته، ويتغافل عن كثير مما لا يشتهي، وإذا أراد إصلاحًا لبعض عيوبها أو تقصيرها، فليكن بحكمة بالغة وبالتدرج، وبأحسن الطرق وألطفها، أو ليقبل بها كما هي، فقد قال النبي r: "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا"رواه مسلم.

كانت هذه أمثلة يستطيع الزوج من خلالها- أو من خلال القياس عليها- أن يتفهم طبيعة ونفسية زوجته، ليحسن احتواءها، ويكسب ودها، وينعما معًا بحياة زوجية سعيدة وراقية.  

وأما الزوجة المسلمة فلها معنا حلقة أخرى نحدثها فيها عن مفاتح أبواب شخصية الرجل..فإلى لقاء قريب بإذن الله.



[1] - يباشرني: المباشرة هي الملامسة، من لمس الرجل بشرة المرأة، وليس الجماع. واستدل العلماء بهذا الحديث وغيره على جَوَاز الاستِمتَاع بِالحَائِض بِكُلِّ شَيءٍ إِلا الْجِمَاعَ.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- ام نصرالله - الجزائر

12 - محرم - 1433 هـ| 08 - ديسمبر - 2011




سبحان الله وبحمده اين نحن وازواجنا مما عمل به صلي الله عليه وسلم لقد اصبح زوج هده الايام لا يستمتع بشيء من زوجته الا براتبها الشهري

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...