رمضان .. درة الشهور ومدرسة العام

عالم الأسرة » همسات
29 - شعبان - 1435 هـ| 28 - يونيو - 2014


1

يستقبل المسلمون شهر رمضان كل عام بالترحيب والتفاؤل والبهجة، ويشمرون عن سواعدهم حتى يجتهدوا فيه في العبادة، ويعوضوا ما فاتهم في الشهور السابقة من التفريط والتقصير أو الغفلة أو النسيان، إضافة إلى الانشغال بالدنيا والغرق في بحور مشاغلها تذرعا بالسعي وراء الرزق، وتربية الأبناء ورعاية الوالدين وغير ذلك من المشاغل؛ لذلك يأتي رمضان فرصة ذهبية لا تقدر بمال وإذا حرمها الإنسان في هذا الشهر الفضيل لا يتأتى له تعويضها، فيه ليلة خير من ألف شهر، ولذلك يجب على كل مسلم عاقل أن يستفيد من هذا الشهر الكريم بالحفاظ على الصلاة فرائض ونوافل، فمن أدى فريضة في رمضان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، ومن أدى نافلة في رمضان كمن أدى فريضة فيما سواه، هذا إلى جانب قراءة القرآن والذكر والدعاء وأداء العمرة وغير ذلك من أبواب الخير.

مما ذكر آنفا نجد أن رمضان شهر مملوء بالخيرات والفضائل التي تعم المسلمين كلهم، وهو شهر مفضل على كل الشهور، كما أن الله فضل يوم الجمعة على سائر الأيام، وفضل ليلة القدر على بقية الليالي وفضل الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ على جميع الرسل، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبينات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). {البقرة: 185}.

فهذا الشهر مأمور المسلم بصيامه؛ والصوم ـــ كما هو معلوم ـــ هو الركن الرابع من أركان الإسلام، ولا يسقط عن المسلم إلا بعذر من الأعذار التي وضَّحها الشرع في الكتاب والسنة. وشهر رمضان لا يكون مختلفا عن بقية الشهور بالصيام والصلاة فحسب، ولكن بالمعاملات الإنسانية النبيلة التي تتجلى في هذا الشهر العظيم، فالمسلم يطبق ما تعلمه من الإسلام تطبيقا عمليا؛ في تعامله مع الناس على اختلاف أشكالهم وطبقاتهم، وكذلك في الشارع وفي أعماله اليومية، وفي البيع والشراء وغيره، ويحاول جاهدا أن يتجنب كل ما يفسد صيامه أو ينقص أجره طمعا في حصوله على الثواب كاملا.

والمسلم  الحق عليه ألا يسخر من الآخرين، أو ينتقص من حقهم أو يتعالى عليهم، وأن يبتعد عن ظن السوء والغيبة والنميمة، وعليه أن يتذكر جيدا أن الله خلق الناس وجعلهم شعوبا وقبائل من أجل التعارف وأكرم الناس عند الله هو التقي كما جاء في سورة الحجرات قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ *). {سورة الحجرات ـــ الآيات 11، 12، و13}.

مما سبق نرى أن شهر رمضان الكريم مدرسة للعام كله، فهو يؤثر في سلوك المسلم، وربما يغيره للأفضل، ويجعله يقلع عن كل التصرفات السيئة والسلوكيات المعوجة التي تشينه وتبعد الناس عنه، وتفقده ثقتهم به، وهذا الشهر (رمضان) الذي هو مدرسة العام ـ كما أسلفت ـ يحتم على كل عاقل أن يغتنمه في كل شيء؛ يصلحه ويساعده على السعادة في الدنيا، والفوز برضا الله وجنته في الآخرة، وحتى لا يندم إذا فرط في اغتنام هذا الموسم العظيم من مواسم الخير.

صعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ درجات منبره الثلاث وكان في كل درجة يقول: آمين، فتعجب الصحابة رضوان الله عليهم وسألوه فقال ـ عليه الصلاة والسلام: "أتاني جبريل فقال يا محمد: رغم أنف عبد أدرك رمضان ولم يغفر له قل: آمين فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف عبد أدرك والديه أحدهما أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة قل: آمين فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك قل: آمين فقلت: آمين"رواه البزار والبخاري في الأدب المفرد، وحسنه الهيثمي. فليتنا نحافظ على الأخلاق الفاضلة ونقتدي برسولنا الكريم في كل شيء، ونتواضع مع الناس جميعا، حتى نكون ممَّن طبقوا حديث رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم: "ثَلاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ الله"رواه الترمذي بنحوه، وصححه الألباني.

فالمسلم العاقل الذي يتزود من دنياه لأخراه وهو حي يرزق قبل أن يحُول الموت بينه وبين العمل الصالح، وحتى لا يندم في ساعة لا ينفع فيها الندم.

 

يقول الإمام الشافعي:

تزود من التقـوى فإنك لا تــدري  

 إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من صحيح مات من غير علـة   

وكم من سقيم عاش حينا من الدهر

وكم من صبي يرتجى طول عمره   

وقد نسجت أكفـانه وهو لا يـدري

وكم من عروس زينوها لزوجـــها   

وقد قبضت روحــها ليلــة القــــدر

 

 

ويقول آخر:

لو كانت الدنيا تدوم لأهلها  

لكان رسـول الله حيًّا وباقيــــــــا

ولكن تفنى ويفنى نعيمــها  

وتبقى الذنوب والمعاصي كما هي

 

 

فعلى كل مسلم هبَّت عليه نسائم الطاعة، وحلَّت عليه مواسم الخير أن يغتنمها، وأن يتزود منها فيملأ بها قلبه وعقله وروحه، حتى يواصل مسيرته في المقبل من الأيام؛ فكما يسعى جاهدا بكل ما أوتي من قوة لكي يكثِّر ماله أو يمدّ جاهه أو يبسط سلطانه أو يزيد من ممتلكاته، يحرص على التزود من الخير ويضاعف رصيده من الحسنات والأعمال الصالحة التي تنفعه في الدار الباقية ـــ دار القرار، وهذا هو الأوْلى، فمهما عاش في الدنيا فإنه مفارق للملذات والأهل والأصحاب والجاه والسلطان، وكما جاء إلى الدنيا حافيا عريان يخرج منها كذلك، ولكن هيهات هيهات بين مَن خزانته ملأى بالنفائس والجواهر من الحسنات والطيبات، ومَن خزانته تكاد تنفجر بما أودع فيها من السيئات والأوزار كأنها قنابل موقوتة!

   ولا أجد ختاما أبلغ من قول الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ). {القصص ـــ آية 77}. 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- الماهر - مصر

01 - رمضان - 1435 هـ| 29 - يونيو - 2014




صحيح أن رمضان شهر مملوء بالخيرات والفضائل لذلك على الإنسان أن يغتنمه ولا يضيع أيامه ولياليه فيما لا يفيد .. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وتقبل من المسلمين طاعتهم وصيامهم وقيامهم ... آمين.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...