مملكتي

عالم الأسرة » همسات
24 - رجب - 1436 هـ| 13 - مايو - 2015


1

خرج من بيته صباحا مستاء وحزينا، متوجها إلى مقر عمله يسحب أقدامه سحبا، ويردد في نفسه: كتب الله على نفسي الذل والمهانة، أن جعل مصدر رزقي في مهنة التدريس؛ إذ إنني في كل يوم أوقع على تعميم لا أملك القرار في رفضه أو تعديله، بل لا أملك حتى مجرد تأخير التوقيع، وتتغير المناهج، وتعقد الدورات، ولا أملك سوى التنفيذ، وكم من مسؤول حولي يأمر وينهى، ولا أملك إلا السمع والطاعة.

     وينما هو يسير بسيارته متجهما، إذا بسيارة تمر من أمامه، فيتوقف ويسمح لها بالمرور، فرفع صاحب السيارة يده له شاكرا ومقدرا، فتبسم صاحبنا، ورفع يده أيضا محييا.

   وفجأة تغير إحساسه وقال: بإمكاني أن أدخل السرور على الآخرين، وبدأ يتذكر الابتسامة والضحكة العالية التي بدرت من ابنته الصغيرة وهو يلاعبها.

   وتذكر ما قرأه بالأمس على سجل تلميذه، من عبارات شكر صادقة من ولي أمر تلميذه، فشعر أنه قدم لهذا التلميذ معروفا عجز والده من إعطائه له، وعندما سمع أحد التلاميذ يقول لزميله هامسا: لماذا تتصرف هكذا إن استاذنا يغضبه هذا التصرف، وتوالت عليه الجوانب الإيجابية، وأخذت تنهمر عليه، ويتذكرها الواحدة تلو الأخرى، في حين أنه كاد أن يقضي على هذه الثروة في لحظة يأس.

      وعندما نظر إلى ما أنجزه مقابل ما يتقاضاه من مال لم يتضايق، ولم ينزعج؛ لأنه مع هذا الإحساس العميق بوظيفته في المجتمع تذكر قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: " تعس عبدُ الدرهم تعس عبد الخميصة ،تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع له "[1] .

     وانتاب صاحبنا شعور عميق بالراحة والاطمئنان، عندما وقف بين يدي الله تعالى مستغفرا وتائبا على ما اقترفه من ذنب، وكم هو سعيد أن منحه الله فسحة من عمره حتى يدرك هذه اللحظة؛ لأنه يعلم تماما كم من شخص حرم منها، وأخذ يردد قول الحسن البصري: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف".

 

[1] رواه البخاري في صحيحه في الجهاد باب الحراسة في الغزو في سبيل الله(2886)و(2887).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...